ها قد انتهى كل شيء ... قد انتهى ...انتهى. كلمة صغيرة من خمسة حروف تختزل حياة كاملة ..احتراقاً كاملاً.. بعثاً وموتاً وانبثاقاً.. انتهى .. انتهت. نهاية.. انتهيت .
نقطة في آخر السطر وبعده فراغ البياض .. صفحات بيضاء .. بيضاء ناصعة .. ناصعة كالثلج .. ثلج كجسدها البارد ..المسجى..الباهت .. الذي أحرقني بصقيعه ولم أشعله بجنوني .. بتمردي .. بموتي كل ليلة على جليد صدرها الصلد .. ثورة أعصابي المحترقة، النار التي في رأسي .. الله .. نار في الرأس، من قال هذه العبارة .. بل نار في جسد.. في جسد يشتعل كالشياطين في ليلة معتمة .. في ليلة فاحمة السواد .. في ليلة ليس فيها ليل ...الجن والعفاريت .. والجن الأبيض والأزرق .. الجن الأحمر .. الجن الثلج .. ذاك الذي رماني بالصقيع والموت والنهايات غير المعروفة .. النهايات التي ليست كالنهايات .. النهايات التي تشبه البدايات .. والبدايات التي لا تشبهها النهايات ... من يعرف كيف تبتدئ الأشياء .. من يعرف كيف تنتهي الأشياء ... الله وحده هو الذي يعرف .. ما أدراني أنا ما كنهي أنا .. ما أدراني بكل الأشياء حين تختلط بكل الأشياء ..لست أعرف شيئاَ و لاأريد أن أعرف ..لا أريد سوى أن أرتاح ..أن أهدأ و أسكن وأشعر بالراحة تلفني كحضن أمي الدافئ .. أمي ..يا أمي ..أين أنت يا أمي .. تعالي ولمّي بقاياي من أرصفة الشوارع .. قد انتهيت يا أمي . انتهيت ..قد متّ وتناثرت شظاياي في سديم الوقت العدم ..في سديم جسدها الملعون يا أمي، لعنتك تلحق بي في كل الزوايا ..لماذا لعنتني يا أمي ..لماذا لعنتني وأنت التي قد عرفت معنى الحب والحرقة وتلك اللوعة التي في لبّ القلب ترنو .. لوعة فقد الأشياء ..الحرقة التي في نسغ القلب ... قد قتلتك يا أمي حين صددتك وقد قتلتني حين صدتني ..حين لم تشعر باشتعالي واحتراقي اليومي ..الساعي ..في الثواني واللحظات ..الوقت من كان محرقتي..محرقتي المستمرة ..محرقتي التي أنهتني كما لم أنته من قبل أبداً ..كما لم أكن من قبل أبداً. ها قد انتهى كل شيء يا حبيبتي ... ووحده الدم من بقي. دمي ودمك ..دمك و دمي إذ يمتزجان في لحظة الاتحاد المعدم .. في وحدة البياض القادم ..ها قد انتهينا يا حبيبتي..الاشتعال والصقيع والبرد والمطر والنار التي في أس? القلب..دخان النار، سناج الدخان الأسود إذ تلتف خيوطه كمارد ملعون..لم يبق شيء سوى خواء الوحدة ..ها قد مضيت.. وها إني وحيد... وحيد تماماً كما كنت دوماً وكما ينبغي أن أكون. وحده الخواء ملك كل الأشياء وإلهها المتوج أو غير المتوج . أكره كل الأشياء المتوجة، وقد توجتها ربة على عرش قلبي المجنون فخانتني ..خانها الجسد الملعون فقلبت العرش رأساً على عقب أو عقباً على رأس لا يهم أين العقب وأين الرأس..وما يدريني أنا أين يكون العقب و أين يكون الرأس. دائماً الرأس يكون قبل العقب. الرأس يكون في مقدمة الأشياء، لكن رأسها كان في عقبها وعقبها كان في رأسها ..لست أدري ..ربما رأسي هو الذي أصبح في عقبي .. وما أدراني أنا أين يكمن العقب من الرأس ..لا أعرف الآن سوى شيئاً واحداً .. أن زمان المحرقة قد انتهى..المحرقة قد ولّت أيامها ..الأيام المجنونة. المشتعلة. الباردة. الصلبة. الأيام التي ليست كالأيام. أيام اللوعة والتلاشي .. لوعة الوصول .. لوعة الوصول الذي ليس كالوصول. الذي لا يشبه الوصول أبداً .. لوعة السراب .. يحسبه الظمآن ماء وهو رمل وحصى .. غبار وصحراء .. صحراء دامية حمراء. تحرقني في كل ثانية فأتناثر .. أتلاشى .. تتشظى خلاياي وتتبعثر في الزمن الهباء. في الزمن الملعون للجسد الجمر .. لينته .. لينته تماماً و أنتهي معه. هل انتهت المحرقة حقاً؟! لست أدري، المهم أنني مرتاح، لم تعد هناك أسئلة لأجوبة .. أو أجوبة لأسئلة .. لم يعد هناك شيء سوى الخواء والفراغ والدم .. دمها .. لون دمها الذي صدمني. لون دمها الباهت. لون دمها الذي لم يكن كالدم. لم يكن له لون الدم. كان بلون البياض الباهت، لم يكن يملك من الحمرة شيئاً . كان أبيض .. أبيض كهذه الكأس من العرق.. كهذه الصفحات البيض الباهتة. كجبال الإسكيمو. كثلوج سيبيريا. كعذابي الذي استمر سنتين كاملتين ، سنتين حمراوين، خضراوين ، بنفسجيتين ،سنتين سوداوين بلون الملح .. ملح البارود والرصاص والشك والغيرة والعفن والموت ..الموت الذي هو ملك كل الأشياء .. سيدها المعلن أو غير المعلن .. وما أدراني أنا إن كان معلناً أو غير معلن .. الموت هو الحقيقة الوحيدة ..الحل الوحيد ..حل الانتفاء..الرحيل ..الحل الذي ليس يشبهه حل ..وحل? يحل? حلاً فهو حال ومحلول وحالل ومحلول به مرفوع وعلامة رفعه الفتحة الظاهرة على آخره و آخرتي وآخرتها واليوم الآخر ..يوم الحساب والعقاب. يوم الجنة والنار. والله ..نار في جسد ..والجسد جنة في نار لا محل له من الإعراب، والأعراب اشد كفراً لو كنتم تعلمون .. ولقد كانت أعرابية..غجرية ..يدققها الوشم من قمة رأسها إلى أخمص قدميها .. وشم من لعنة .. من ذل و عار ..من خجل ليس يشبهه خجل.وشم من رعب وخوف وأفاع تسرح وعقارب تمرح، وخناجر مرفوعة وأياد منصوبة وحجب لجب وحكايات عن نساء محروقات. نساء مقتولات. نساء مجبولات بالسواد، منذ الصرخة الأولى وحتى الشهقة الأخيرة. وشم لرجال فارعين على صهوات جياد دهماء، سيوفهم ممشوقة وعيونهم ترسل كتلاً من نار ولهب. رجال تخرّ لهم الطفلة الصغيرة سجداً وركوعاً .. وركع يركع ركعاً فهو راكع ومركوع ومركاع ومريكيع مبني على الكسر لامحل له من الإعراب .. والأعراب أشد كفراً لو كنتم تعلمون أو لا تعلمون .. وما يهمني أنا إن علمتم أم لم تعلموا. ومن قال إنني معلم البشرية وعالمها . أنا لا أستطيع أن أعّلم نفسي ولا أن أعلمها، أنا لا يهمني الآن سوى هذا الكأس الأبيض. البياض هو حلي .. بياض العرق .. وبياض الورقة .. وبياض الكفن .. لم أعد أعشق سوى هذه الورقات البيض ، البيض كجسدها البض، جسدها الندى والبخور المحترق، وقلبي هو من كان يحترق. لايهمني سوى أن أكتب. أن أقول ..أن أحكي عن الجحيم الذي عاش في شراييني سنتين .. سنتين كاملتين، ربيعين، خريفين، صيفين، شتائين، صقيعين وكآبة، كآبة تلفك بدوارها المميت، كآبة غطتني بأكملي وغطتها، الليالي، النهارات، الصباح والمساء والحدقة المكسورة المؤطرة ... اشرب ...* * * * *
كانت تجلس عند تلك النافذة تحدق في البعيد وتغرق في حزنها ..حزنها الذي ليس كمثله حزن، حزن كئيب، صامت، شاحب، يخترقك بصمته، بحدته، بقساوته، الدموع التي تختبيء خلف العيون، حدقات العيون، العيون السوداء الواسعة، تحيط بها هالات من الأزرق الشاحب، الأزرق الناحب ،لونها المفضل. لون البحر والحيتان، ولقد كانت من برج الحوت ، حوت أبيض كموبي ديك ،حوت أصفر، أحمر، أخضر، حوت كحلي يبتلع كل شيء، يهضم كل شيء، الحب والكره، الحزن والفرح، المتعة والألم والإهانات .. الإهانات الصغيرة والكبيرة التي تترسب في نسغ الروح ثم ترتد حزناً في العينين ..حوت مرعب .. حوت جميل حد الرعب، والجمال رعب ليس بعده رعب، الجمال الذي يدنيك ولا يعطيك ..اشرب .. لم يبق لي سواك يا سيدي العرق عشيقاً ..ماتت عشيقتي ومات قلبي معها، فاسكر معي سيدي واعطني بدل العشق موتاً ...اعطني رعباً .... اعطني جمالاً كالرعب يقتحمني كما اقتحمتني ثم يذروني للريح ... اعطني رعباً كجمالها ... آه يا حبيبتي كم كنتِ جميلة.. أجمل من كل من عرفت من النساء ..امرأة سمراء .. سمراء بلون التمـر الناضج .. بلون القهوة الشقراء .. بلون الغروب قبل أن يكتسحه الليل .. بشعر أسود طويل يتماوج فوق كتفين صغيرتين كرمانتين، وحدقات سود أشد اتساعاً من عشق قلبي لشفتيها البلح ..لماذا كنت دائماً أشم رائحة البلح حين أقبلها .. يالشفتيك البلح حبيبتي وقد صارتا رماداً صاخباً بالموت .. اشرب نخب المرأة التي حين تحتويها تشعر وكأنك تحتوي نساء العالم بين ذراعيك ..
آه يا أمي لقد ضعت .. ضعت ولم يبق لي شيء سوى ظلال الذكريات الباهتة، ظلها الحزين، أخالها الآن تخطو فوق درجات البيت بقامتها الناحلة ، تطرق الباب بتلك النقرة الخفيفة، تفتحه وتدخل، تبحث بعينيها في أرجاء الصالة، لا تجدني، تبحث في غرفة المعيشة، غرفة النوم، المطبخ، الحمام، الفرندة الصغيرة .. تنتابها الحيرة حين لا تجدني، تنادي علي بصوتها الخفيض وينك حبيبي .. لا يرد سوى الصمت وضحكاتي المكتومة، وأنا مختبيء خلف الباب، أو تحت السرير أو الكنبة، وحين تيأس من العثور علي? أفاجئها بقبلة، وأحضنها إليّ، أضم قامتها الناحلة، لتصاب هي برعشة الصدمة، تدفن رأسها في صدري وتبكي .. تبكي بصمت راعش .. مهتز .. وكنت أتفاجأ وأحتار، لماذا تبكين يا صغيرتي ؟! ولم تكن ترد، ولكن تجهش في البكاء، ولقد مرّ زمن طويل قبل أن أعرف سر بكائها كانت تخاف ..ترتعب من كل الأشياء، من أدنى صوت، من زقزقة الباب إذا فتح على حين غرة، من الهواء إذا صفر في نافذة شبه مغلقة، ترتعش وترتعب وكأن الدنيا ستنطبق على الأرض، وتخاف من كل الأشياء .. من الليل إذا جنّ .. من صوت المطر .. من صياح الباعة .. من خيالات فرسان مضوا إذا ما أخذتها بين ذراعي، تخالهم واقفين على الباب يحملون سيوفاً ورماحاً لينقضوا فجأة علينا فترتعش تنفض نفسها مني .. تلبس ملابسها وتنأى بالنظرة المرتجفة، ولكم كنت أجنّ حينها .. أي مسّ? أصابك يا امرأة .. أنا هو أنا، فلا تحير سوى الصمت والحزن، والنظرة الذاهلة التي سرعان ما تغرق بدموعها، لأغرق أنا في عرقي .. ولم تكن دموعها تشبه الدموع، كانت دموع بلا ماء .. بلا شكل .. بلا لون .. دموع تشعر بها ولكن لا تراها ، دموع في القلب من دم و بؤس ومذلة، دموع واقفة في الصمت.. في اللعنة .. في الرعب .. في الخوف الذي ليس يشبهه خوف. الخوف المدبب. الصامت. الكالح .. الذي ينبت في القلب مع الصرخة الأولى، و لاينتهي إلا في الشهقة الأخيرة، شهقة الوداع والخلاص والتلاشي، شهقة العدم وخنجري ينغرس في صدرها، تماماً بين النهدين النافرين الصارخين الجائعين المرتعبين ، الرجفة التي تتلاشى بتلاشي بريق العينين، العينين اللتين تشيان بالراحة والخلاص وكأنها كانت تسعى إلى موتها، وكأنها كانت تشتهي هذا الموت .. ها قد مضيت يا حبيبتي ها قد مضيت بعد أن نلت ما ابتغيت و ها إني وحيد .. وحيد تماماً .. أكسر حدة الفراغ .. أحاول جهدي أن أكسر حدة هذا الفراغ .. لكن الفراغ شاسع جداً وقامتي ِجد? نحيلة ... يجتاحني الفراغ حبيبتي هكذا يتخللني .. ثم يخترقني من كافة الزوايا ويذروني للرياح التي تبعثرني بدورها في جهات الفراغ الأربعة ... ووحده العرق من يسد بعض الزوايا ..وحده العرق هو الحبيب الذي لا يخون .. وكل الأشياء بيضاء، الورقة بيضاء، الجدران بيضاء، وجهك أبيض، العرق أبيض، الفراغ أبيض، يغزوني البياض من كل الزوايا، يحاولني يستمنيني البياض لمعانقة عدمه .. ماذا أكتب لأسود بياضه .. هل سأكتب قصة حبّ .. وهل ماكان بيننا حب أصلاً لأكتب قصة حب .. هل سأكتب لماذا قتلتك ؟! وهل قتلتها أنا فعلاً أم هي التي اغتالتني منذ أمد سحيق، منذ البدايات السحيقة للفراغ الذي غزانا ها أنذا أحاول تبرير جريمتي، فشلي، ضياعي وضياعها، ..إن الدماء التي في الحجرة الأخرى هي الوحيدة التي تشهد على من القاتل و من المقتول. لقد قتلتها وبلا أدنى حاجة إلى التبرير، قتلتها لأنها كانت تستحق القتل، كانت تريده، عيناها كانتا تستجديان خنجري لينغرس عميقاً في كآبتها، كان الموت خلاصها، وكانت جديرة بذلك الخلاص، لم تكن تريد الحياة، نعم لقد قتلتها ولم أكن قاتلاً لقد قتلتها لأنها كانت تريدني أن أقتلها، هكذا ببساطة ..ولقد ارتحت حين رأيت دماءها تسيل مع كل ضربة خنجر في جسدها الملعون، كنت أشعر بالتحرر، بالدوائر الزرقاء الباهتة تنداح شيئاً فشيئاً ثم تتلاشى مع دوائر الدم الفائر من الجسد المفتوح بشبق لاعهد لها به، .. ياه كم كان جسدها شبقاً إذ يعانق الخنجر المشرع للزوايا المعتمة لروح فجرتها شياطين لا لون لها سكنت في الحنايا التي هجرها الارتواء ..كنت أتحرر ..أحسني خفيفاً وأتحرر، وكان حضورها وكأنه كابوس عمري، وكأنني كنت كابوسها الذي انعتقت من بين أصابعه الشيطانية حين عانقت الموت لقد تحررنا أنا وأنت، وها نحن الآن حراّن ... حراّن تماماً ... حراّن منا .. من الصمت ومن الحزن والليالي السوداء المجنونة، الليالي التي كنا نمتشق فيها أحقادنا ثم نهوي بها علينا ... هل تذكرين حبيبتي ليالينا المجنونة... هل تذكرين ... كنا نتسلح بالحقد ..الحقد الأسود الدفين ..نكسو به وجوهنا وأجسادنا، نلبس درعه القاسي كجنديين ذاهبين إلى معركة لا مفر من خوض غمارها، ننسج من حقدنا المقدس خناجر سوداء محدبة ومعقوفة كخناجر العرب القدماء، العرب العاربة، نسن? خناجرنا بمآقي العيون الجاحظة، المفتوحة على عشقنا المهدور دمه .. عشقنا المدمى من ثنايا الكلمات العابثة، ثم نهوي بها علينا ... نطعن ونطعن .. يسيل دمنا .. نتمزق .. نتشظى .. نتناثر .. تصرخ قلوبنا ودموعنا ولانتوقف عن الطعن المقدس ..لانتوقف ... تزداد أيدينا تشبثاً وقسوة، تزداد خناجرنا حدة، نطعن ونطعن حتى يهدنا التعب وارتعاشة القلب الذي ينوس رواء العمر منه، فنتلاشى كالأشباح في الزوايا المعتمة لبيت الكآبة .. ننفرد بنا .. جراحنا ملء المدى تسيل منها الدماء. يالجراحنا المثخنة. نلعقها فتزداد انفتاحاً ونبقى وحدنا، يا وحدنا من مات ويأبى ذاك العمر على الذوبان ... اشرب نخبها ... نخب عشقها العظيم ... نخبك حبيبتي ... نخب لياليك المجنونة، هل تذكرينها حبيبتي ... حين تتحول الكلمات إلى مطارق تدق رؤوسنا .. هل تذكرين الكلمات الصلبة القاسية .. الكلمات التي ليست كالكلمات .. هل تذكرين الوحش فينا ... ذاك الذي كان ينبت كزرع شيطاني من بين شفاهنا . أصابعنا . أيدينا الملطخة بدم العشق المذبوح على سديم الوقت المتلاشي في هوته السحيقة. الوقت.الليل. العتمة التي ترين على القلوب التي علاها سناج العشق المذبوح. دمه الفائر .. الغائر في جرحه الأبدي ... اشرب .. ياه كم قتلنا بعضنا يا سيدتي .. فليكن هذا القتل هو الأخير ... ولنتحرر منا.. منك ومني ومنه الذي لا أدري كنهه المسكون .تعال أيها الموت .تعال عانقني. حننت إليك حننت .. فتعال لا تتأخر أرجوك قد ناس العمر ناس وما عادت به حاجة سوى شوقه لملاقاة ضياء عدمك ... اشرب نخب الصمت إذ يمتدّ مارداً في غيهبه العدمي ..اشرب ... ما الذي من الممكن أن يقال لجرح ينزف؟ وأي كلمات تلك التي ستستبدل صخب الكلمات، أي كلمات بائسة تلك التي ستستبدل صخب الكلمات، وجعها الممض، كيف تغدو الكلمة مجرمة ومميتة في حين، وكيف تغدو بلسماً في حين آخر، أي عبث هذا الذي تلعب به الكلمات، أنت يا سيدة اللغة المجنونة أجيبيني، هل هي الكلمات من كانت مجنونة وحمقاء أم عشقنا هو الذي كان .. أجيبيني يا سيدتي هل هي دموعنا المجنونة أم العيون التي ذرفت الدموع من جنّت ..آه حبيبتي كم كنت أبكي حين تنهشني منك الأظافر والأنياب، حين تمزق جسدي أنيابك الصغيرة .. تنغرس في لحمي، وتغدو دموعي دماً حين أرى وجهك المتشنج وعينيك الجاحظتين وأنيابك تمزقني أبكي حين أرانا نغادرنا وأعرف .. أعرف تماماً كم نحن بائسان، وكم بائس هذا العمر الذي تنخره الأنياب العاشقة .. أتركك تفعلين ما شئت في جسدي .. أكتم صرخة الألم حين تنغرس أظافرك في لحمي .. في القلب أبكي دماً ينزف مني الجسد والروح .. أنزف حبيبتي أنزف، وأبكي عليك .. عليّ، وعلينا إذ تولغ أسنانك في لحمي. إذ يولغ القهر فيك .. لا أصرخ. أكتم صرختي. افرغي كل حقدك يا سيدتي .. ها جسدي وليمة حقدك الطاهر، وإذ يسيل دمي على البلاطات الندية، دم العاشق، أقبل فمك، امتص دمي من شفتيك، أحس به دافئاً دمي، تمتليء شفاهنا بالدم ننظر إلينا، إلى وجوهنا الملطخة، لا نصدق أننا نحن ونبكي .. نبكي ..نبكي .. هل نحن ..نحن ..هل أنا أنا .. وهل أنت أنت .. يا أنانا التي ضاعت وسط دياجير العشق الأسود يا سيدتي اشرب .* * *
لقد قتلتها نعم، ولغت تماماً في دمها .. مثلما ولغت هي في نسغ روحي.. دمها الأحمر الفائر المتوقد في بياض الجسد .. الدم النهر إذ يغسل حقد الروح المقدس. الروح المطعونة والمهانة والمرفوضة. الروح العاشقة.. المترامية في العشق، المنتهية فيه. أطعنها. أرفع الخنجر وأضرب في الجسد. خذي هذه واحدة هناك فوق الشامة الصغيرة التي في حق النهد، في باطنه، وأخرى في السرة الصغيرة المدورة، في السرة المنمنمة. كم عشقت تلك السرة، كم لثمتها وقبلتها. وليفر دمك .. فليفر .. فليطفح ويسيل على البلاطات الندية للأرض المغسولة بدمع القلب الأبيض. لماذا تتأوهين بكل هذا الشبق، لماذا تحضنين خنجري الدافيء، وكأنك تعشقين الخنجر. خذي إذاً. طعنة أخرى هناك في الهوة السحيقة للشيء الذي فجر روحي وأدماها .. للشيء الذي أخذني في تلافيفه الندية، فأدماني وضيعني في دهاليزه المغلقة فلم أرجع إلا ركاماً في مدى من خراب صاخب بصمته المقدس، بحقده وعشقه، جسدك المجنون هذا سأدمره .. شيئك ونهديك وحقوك وعجزك وشفتاك النديتان كحبتي بلح. رائحة كستناء مشوية، جسدك الملعون الذي لم يمنحني السلام يوماً، عليه سلام خنجري الحاني إذ يهوي بشبقه ليخترق فجرك الذي ما جاء، ليفجر هذا الفجر ..ياه ... كم أحس الآن بأني دافيء ... يدفئني رذاذ دمك الذي ينهمر الآن عليّ ... أتوهج بالدفء الذي طالما افتقدته ها أنت ذا غيمة حبلى بالمطر .. مطر .. مطر.. يتساقط من الحنايا التي طالما وعدتني بمسيحها المنتظر .. أشعرني أورق وأخضر .. كنبتة برية. كزهرة . كشجرة لوز في نيسان، تتسلقني الأزهار البيضاء. الأزهار كلها فأغدو مورقاً ويانعاً وندياً .. امطري .. امطري أيتها السماء مطرك الأحمر .. نبيذ المطر من سماء جسدك الأبيض .. من ثنايا الغيوم البيضاء، قطرات تسافر في مدى أرحب من ثلم عمري .. أرحب منك و مني ... مطر يحررني فأحسني خفيفاً ندياً. كامرأة عاشقة ضاجعت حبيبها للتو ثم خرجت من سرير المسرة يتوقد عريها المغسول بالقبلات التي تشهق شوقها وتورق بماء الحياة يسري في مساماتها ليرتد فرحاً أبلق يتقافز من زوايا العيون الملوحة بالحنين.
مطر يبعثني من جديد فكأنني كنت ركاماً يعلوه سناج الوقت الضائع ثم يغسلني المطر. أتعمد بالدم المطر فأتورد عشقاً إليك. لزغب ذراعيك إذ يهصراني لأتعتق نبيذاً وأغنيات، وإذ أتنسم دفء أنفاسك في شفتيّ ، رائحة حبات البلح الطازجة وهي تذوب في فمي عسلاً وسكر .. شفتاك بلح بري مغسول بندى الوقت الهباء. الوقت الصمت الذي مزقني في التلافيف المدببة للروح المجنونة التي تسكن جسداً أشد جنوناً .. وجسدك نخلة عمري الذي ما انكفأ يتسلق وهمه الكبير ثم يذوي بشمس أشد سطوعاً من محرقة لأنبعث في المطر الذي يتدفق من خيمة جسدك الرائق .. طعم البلح البري، رائحة القهوة الشقراء وصفاء حبات المطر.. جسدك إذ يتعتق في جسدي فيمتزجان عرقاً أبيض. رائحة الشومر البري إذ يتضوع في ثنايا وادي السريج، إذ يزهر الوادي بعشب المسرة، لأتمرغ في حناياه، أدفن وجهي وأدس بأنفي و يأتلق لساني بطعم عصير البلح. وجسدك محرقة جسدي كان وموته الأكيد فلا يتبقى بعد الفناء سوى الصمت وصدى الذاكرة .. الذاكرة بوهجها الحميم، بصمتها وألمها الجارح، الذاكرة كنافذة مشرعة للوراء أمام زمن أشد عتمة من دمك المتخثر. الزمن إذ يتوقف عند نقطة معينة، فلا يجاوزها إلا إلى الرعب المحدق من نوافذ العتمة، العتمة السوداء المطبقة في حزنها وبياض زمنها الكالح، الزمن الراني إلى شرفات العدم ، يتوق إليه ويتمناه. الزمن العدم. حين يغدو لاموجوداً بالموجود ... وموجوداً باللاّموجود فيفنى فيه ويتلاشى في ثناياه ، الزمن إذ تنتفي فيه الرغبة فيحل في الهواء الأثيري المحيط بكل الأشياء، من غير أن تحس به الأشياء .. الأشياء الغبية التي تأكل وتشرب وتنام من غير أن تشعر بالمارد الأثيري المترامي الأبعاد اللانهائية إذ يتربص بها الغول إذ يفتح فاه ليأكل كل ضجيج الصمت الواقف في اللحظة المؤودة ..كل الأزمنة مؤودة إلا زمن الذاكرة، هو وحده الصاخب الضاج بالحياة، لكنها حياة محكومة بانتفائها .. حياة متخيلة تزيدها الرغبة وهجاً والألم تحققاً، فمن سيريد هكذا ذاكرة، هكذا حياة، فلتذهب الذاكرةأيضاً لصمتها، لتمت الذاكرة، فلتذهب إلى الجحيم تماماً مع جسدها .. تماماً مع جسدي .. تماماً معنا إذ نعتنق عناقنا الأخير. اشرب ..* * *
أحسّ بأنني انتهيت، تكسرت وتلاشت شظاياي في غبار الصمت الأبيض، لا أملك أية رغبة في فعل أي شيء، أمضي الساعات الطويلة جالساً في مقعدي الكئيب، كأس العرق يذوي في يدي ثم تشتعل شياطينه إذ تندلق في جوفي لأزداد مواتاً، أحدق في الصمت المطبق من كل الزوايا، عيناي تهيمان في أرجاء الحيطان الصلدة. الحيطان التي ليست كالحيطان، ترتسم عليها أشكال هلامية من مخيلة انفلتت من عقالها حين فقدت رغبتها فغدت كالمجنونة لا تصنع سوى أشكالاً هلامية تتداخل فيما بينها. تتحد ثم تفترق من غير معنى واضح. لا معنى واضحاً في كل الأشياء. فقدت المعنى والإحساس والرغبة. الرغبة التي كانت تشعلني باللعنات .. الرغبة المؤودة على صقيع الجسد الميت . أصبحت أكره جسدي. أتمعنه وأشمئز. هذا الجسد النحيل كخيط العنكبوت الدبق. هذا الوجه الذي أكله العرق والليالي السود المجنونة. هذه العيون المطفأة في رماد الوقت المذبوح. هل جاء الوقت الذي سأكره فيه جسدي ؟! من ذاك الذي قال بأنني سأكره جسدي. ستأتي تلك اللحظة بشجنها الممض حين أنظر إليه وأشمئز. أنا الذي كنت أعشقه كنرجسي .. جسدي إذ يرتدّ إليّ ألقاً من ضفاف المرايا. أتامله .. أتأمل انحناءاته .. زواياه المصقولة، عضلاته الفتية، غابة الكستناء في الصدر، زغب العشب النابت أسفل السرة، السرة الصغيرة المدورة. أتراه يتحول جسدي. حمم الرغبات المدفونة. وهج الرغبة وانطفاؤها. أتراه يتحول جسدي. البياض الملوح بسمار الأرض. حمرتها الندية. العضلات المتوترة المشدودة إذ تحرث أرض الشجن فتردها الخيبات حزناً في العينين. العينان الواسعتان الملونتان بألوان قوس قزح ذات صباح ندي. أتراه غاب جسدي. أين هو مني الآن. أشراع هو أم صارية تذروها الريح الشمالية القاتمة .. أترى هاجت عواصف العشق به ثم رمت به في مرفأ مهجور على شواطيء العدم ..أينه الآن .. أربابة هو صوتها المجروح والتمزق إيقاعه. أيصعد أم يهوى.. للفجيعة والمرارة معراجه. أم غدرته الصواري وسط لجة معتمة فتلاشى في غياهبها، وتناهشته ذئاب البحر فتمزقه نتفاً صغيرة .. أينه مني الآن؟ أتامله في انكسار المرايا متهدلاً، تتدلى ثناياه، هزيلاً شاحباً كخيط الحزن. كبقايا دمعة غاب خط الارتواء منه، فغدا عارياً من ألقه وعبقه، كشجرة خريفية وسط أرض جرداء سقطت أوراقها و اصفرت جذوعها ثم رمتها العواصف فتمزقت في السراب . أتراه انتفى جسدي اشرب نخب منفاه إذاً .. نخب الوقت إذ يطبق بأنفاسه عليّ. نخب الليل والعتمة. نخب الوحدة الموغلة في سرمديتها العبثية .. كأس العرق يرتجف في يدي .. لم أكن أدري لماذا كان يرتجف. وهل هو من كان يرتجف أم أن يدي هي التي كانت جبانة.. هل كنت جباناً حين قبلت بكل ذاك الذل الذي سببته لي على مدار عمرنا .. هل كنت جباناً أم أن العرق هو الجبان. العرق وحده من كان سميري في الليالي السود. ولم يعطني ليلة الشجاعة .. فقط تلك الرجفة في القلب .. تماماً مثل حبها .. تماماً مثل عمري الشاحب، تماماً مثل الوقت والليل والعتمة "أي وقت هذا الذي يمضي غير واع بالوقت معك" كتبت ذات رسالة، ويا إلهي كم كانت تكذب هل كانت تكذب حقاً أم أن الوقت هو الذي كذب علينا ؟!
الوقت والليل والعتمة وهجير الوحدة. قال الشيخ عباس قد قامت القيامة منذ وقت طويل. قلت له لكنا ما زلنا نحيا، قال بل متنا جميعاً نحن وأباؤنا و أبناؤنا وأجدادنا وأبناء أبناء أبناء أبنائنا، وأحفاد أحفاد أحفاد أحفادنا حتى آخر مخلوق ملعون يسمى البشري ... متنا جميعاً ثم بعثنا الرب فأقام القيامة على رؤوسنا وأدخلنا جميعاً في جهنم الحمراء .
فغرت فمي مشدوهاً قد قامت القيامة إذاً وأدخلنا جميعاً في جهنم الحمراء .. ثم لمع سؤال في رأسي الأحمق قل لي يا ابن فرناس لماذا هي جهنم حمراء دائماً، ماذا لو كانت صفراء أو خضراء أو حتى بنفسجية؟ لم يحر الشيخ عباس جواباً .. كان يشخر وكأس العرق قد اندلق على لحيته البيضاء، وبقيت وحدي في العتمة .. حطام في كل مكان .. صوت انفجار هز الكون فانشقت الأرض وابتلعتني في جحرها الضيق .. يا إلهي كم عذبني جحرها الضيق ، كم أهانني ثم رماني في دهاليزه المعتمة كنبضة ريح برية رميت في ديجور صحراء معتمة .. عتمة تغطي الأشياء، الكنبات أصوات شاحبة، والريح تزأر في الخارج كضباع قرها الجوع فناحت ..ارتجفت و أنا ألتم على نفسي .شربت حثالة الكأس ثم صببت كأساً آخر صرفاً من غير سوء. اشرب ...
الحب نبيذ الكون*وهذا العالم دن
و الأيام كؤوس
تترعها ولاتترعك، تشربها ثم ترميك في آخر الليل للحزن والدمعات، تلك التي تخرج سخية في آخر السكر و أول الزلزلة، و الزلزال هو من كان في انتظاري لا جنة العاشقين .. اشرب نخب الزلازل و البراكين .. اترعها تماماً و لتعربد في دمك الشياطين .. حتى الحثالة ..والثمالة في الحثالة، انتهت الزجاجة، آخر قطراتها تنوس على جدرانها، أين هي الزجاجة الأخرى .. هززت نفسي ومضيت أبحث، لم أكن سكران لكنّ الكون هو من كان، تخيل لو أن العالم بلا عرق ماذا سيحصل لي، تخيّل شكل الوجود إذاً ! لابد سيكون وجوداً أحمق .. أحمق تماماُ .. بل أشد حمقاً من الشيخ عباس ابن فرناس الذي وجد نفسه يعيش في زمن غير زمنه، حاولت إقناعه بأن كل الأزمان متشابهة، لكنه أبى و استكبر، ولم أفلح في إقناعه سوى بالخمرة قال - إن الخمرة حرام. قلت اشرب وانسى. فشرب وتذكر قال كنت أعيش في زمن الله في كنف الله في خمرة الله ، يغطيني بياض نوره حتى جاءتني الغواية قالت كم أنت أحمق يا شيخ عباس لترضى بالعيش وسط كل هذا النور الأبيض. قلت لها أنا سعيد ببياضي. قالت انظر وفتحت عباءتها فإذا بي تغشاني الألوان كلها ،هل تفهم، الألوان كلها ، الحمراء و الصفراء والزرقاء واللازوردية وما تحت الحمراء وما فوق البنفسجية ومالت فقالت تعال إلى الألوان كلها والأزمان كلها ودعك من بياض زمنك المجدب، ركضت إليها تسبقني دمائي التي كانت تنط مثل طيور الحجل يلحقها الصياد ولا يلحق، تقافزت في تلافيفها الوردية، غطتني الألوان، غطتني فإذا بي أولد وأخلق، وأخلق وأولد وأحيا بين ضجيج من ألف لون وصخب، وفرحة عاشق وجد ذاته في الألوان الخمرية . فجأة أخرجتني من بين عباءتها ورمتني في العتمة وقالت وهي تنأى كم أنت أحمق يا شيخ عباس لتترك لون الله وتتبع ألواني، ألم تعلم بأني المغناج الملول! ثم مضت محلقة في الغيمات السراب. ماذا أقول لك .. وكأن قلبي يحترق، وكأن زماني صحراء، صنعت جناحين ثم حلقت وراءها، سماء تشيلها و سماء تحطها وأنا خلفها مثل الغراب الأسود، فجأة لم تعد جناحاي تقويان على حملي، لم أعد أقدر على حمل جناحيّ .. رأيتهما وهما يتشظيان و يتناثران في الغول الأثيري المترامي الأبعاد بينما يتردد صوت ضحكاتها في جنبات السموات السبع، ذهبت وتركتني وحيداً في العتمة و هويت .. هويت .. هويت، آلاف من السنين مضت بي وأنا أهوي، ناجيت يا الله أعدني إلى زمنك فجاوبني الصدى والثالوث المقدس ... الأثير والصمت والعتمة، حتى وجدت نفسي في زمنكم اللعين هذا .. زمن الجدب والركام . اشرب يا شيخ عباس والعن الزمن الركام .شرب ثم طار ، علق جناحيه المكسورين وطار من بين الجدران .. وبقيت وحدي .. وحدي تماماً وسط ليل أشد عتمة من قبر أمي، وكان قبرها يرتسم أمامي على الجدار، ومن قلبه خرجت الأشباح والعناكب و الديدان وأخذت تهاجمني، اختبأت في ظل الجدار وكنت أعزل .. أعزل تماماً يا أمي إلا من ورود زودني بها قلبك الحاني، وكانت الأشباح تخترق الحجرات والجدران، وأنا وحيد إلا من ورودك، خرجت من مخبأي . الأشباح تخترق كل المخابيء، زرعت وردة في الممر المعتم ثم أسرعت مختبئاً في ظل الجدار ... جاء الشبح فاغراً فاه وحين شاهد الوردة حاول الهرب، لكن وردتي كانت سريعة الانفجار في وجهه فتلاشى .. توهجت..النصر يدغدغني ... قتلتك أيها الشبح اللعين، لن تقدر عليّ ومعي ورود حبيبتي، خرجت من ظلي وزرعت وردة أخرى .. انفجرت الوردة وقتلت شبحاً آخر .. كنت خائفاً جداً وانتشي عند كل شبح تغتاله ورودي، لكن الأشباح كانت كثيرة جداً، أكثر من ورودك يا أمي، ثم جاء النمر الوثاب .. كان نمراً سريعاً جداً، وكان له شقيق أشد منه سرعة .. طارداني فهربت ..ركضت في كل الجهات. اصطدم رأسي في جدار صلب فوقعت وانقض النمر الوثاب عليّ .. أحسست بمخالبه تنهشني فأشهرت وردة في وجهه، فأفلتني مرتعباً .. هربت من بين أنيابه وهرب هو الآخر من الوردة التي انفجرت تطارده لكنها لم تصب سوى الفراغ، كان سريعاً جداً ذاك النمر الوثاب، فوثب إلى عرينه .. وكنت خائفاً جداً .. الأشباح تتكاثر والنمر الوثاب يبحث عني وأنا وحيد ..حبيبتي ماتت ..دمها يتناثر في الأرجاء، وأمي كذلك ماتت هي الأخرى منذ زمن سحيق .. قتلتها وكان الغول يضحك من خوفي..أنا لم أكن خائفاً تماماً .. فقط شعر رأسي هو الذي كان يقف .. إنما أنا لم أكن خائفاً تماماً، ولم أكن سكران، عقلي مازال معي، أحس به